ابن ميثم البحراني
405
شرح نهج البلاغة
اللَّه تعالى في مظنّة أن يرمى الظالم بعقوباته عند اطَّلاعه على ظلمه كما قال تعالى « أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ » ( 1 ) ثمّ أردف ذلك بالقسم البارّ ليظهرنّ أصحاب معاوية عليهم تنفيرا لهم إلى مقاومتهم ، ثمّ نفى ما عساه يتوهّمه أنّه علَّة غلبهم لهم كيلا يتخاذلون بسبب ذلك وهو قوله : ليس لأنّهم أولى بالحقّ منكم ، وأردفه بتعيين السبب الحقّ في ذلك وهو قوله : لكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم : أي أمره الباطل وإبطائكم عن حقّي إذ كانت النصرة باجتماع الكلمة وطاعة الإمام لا باعتقاد حقيّة إمرته مع التخاذل عنه ، ثمّ أردف ذلك بتوبيخهم وتنفيرهم عمّا هم عليه من مخالفة أمره بقوله : ولقد أصبحت الأمم . إلى قوله : رعيّتي . لأن شأن الرعيّة الخوف من سلطانها فإذا كان حاله مع رعيّته بالعكس كانت اللائمة عليهم بعصيانه دون حجّة لهم عليه ، وأمّا التنفير فيذكر أنّهم في محلّ ظلم نفسه ولقد أشفق عليه السّلام منهم في مواطن كثيرة كيوم التحكيم إذ قالوا له : إن لم ترض فعلنا بك كما فعلنا بعثمان . ونحو ذلك ، ثمّ أردف وجوه تقصيرهم ببيان ما فعل في حقّهم من الأيادي الجميلة والهداية إلى وجوه المصالح من استنفارهم لجهاد عدوّهم وحفظ بلادهم وإسماعهم الدعوة إلى مصالحهم سرّا وجهرا ونصيحته لهم بالوجوه الصائبة من الرأي وهو كقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السّلام « قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً وإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا » إلى قوله « ثُمَّ » ( 2 ) ثمّ شبّههم بالغياب مع شهادتهم وبالأرباب مع كونهم عبيدا ، ووجه الشبه أنّ الفايدة في شاهد الموعظة دون الغايب عنها هي سماعها والانتفاع بها فإذا ليسوا كذلك فهم كالغياب عنها في عدم الانتفاع بها ، وأمّا الثانية فلأنّهم رعيّة من شأنهم التعبّد لأوامر أمرائهم ثم إنّهم لتعزّزهم وشموخهم كبرا وعدم طاعتهم كالأرباب الَّذين من شأنهم أن يأمروا ولا يأتمروا ثمّ وبّخهم بنفارهم عمّا يتلو عليهم من الحكم وتفرّقهم عن مواعظه البالغة . وأهل البغي إشارة إلى أهل الشام . وأيادي سبا : مثل يضرب في شدّة التفرّق وضربه لتفرّقهم عن مجالس الذكر وهما لفظان جعلا اسما واحدا كمعدي كرب ، وسبا قبيلة من أولاد سبا ابن
--> ( 1 ) 16 - 48 . ( 2 ) 71 - 5 .